محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )

301

أخبار القضاة

ومما يصلح ذلك ، أصلح اللّه أمير المؤمنين ، ويقود به الوالي على أمره ألا يستكثر من الحسن شيئا عمل وإن كثر ، فإنه ليس شيء من حسن عمل به امرؤ ، وإلا ونعمة اللّه عليه في ذلك خاصة أكثر ، وحق اللّه عليه فيه ، وفيما سواه أعظم وأوجب ، وليس العباد ، وإن حزموا وجدوا ، ما نعى كنه حق اللّه عليه ، إلا ما أعان اللّه ورحم ، وألا يستقل من الحسن شيئا فيدعه ، فإن المحسن مسرور بما هو مفروض عليه من حسن عمله ، قليله وكثيره ، وإن الحسنة إلى الحسنة حسنات ، وإن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين ، ولا يحقر مع ذلك من مسيء شيئا وإن تقال في عينه ، فإنه ليس شيء من السيء بقليل ، وليس شيء منه إلا وهو مخوف سر عاقبته إلا ما أعان اللّه وتجاوز ، ثم لا يؤخر عمل اليوم لغد فإنه إذا كان ذلك تداركت الأعمال وشغل بعضها عن بعض ، ثم المبادرة بالعمل في العامة وفي خاصة النفس الخصال الست ، التي لا إخال أمير المؤمنين إلا وقد علمهن ، وبلغه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أمر بمبادرتهن « 1 » بالعمل ، طلوع الشمس من مغربها ، والدجال ، ودابة الأرض ، وخويّصة أحدكم ، وأمر العامة فإنه لا يؤمن أحدها أن تصبح وتمسي ، وذلك ما لا أخاله ، ألا وقد بلغ أمير المؤمنين من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « بعثت « 2 » والساعة كهاتين ؛ وجمع بين أصبعيه الوسطى ، والتي تليها » ، وقوله : « إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منها كعابر يومكم هذا فيما مضى فيه « 3 » ، والشمس حينئذ على رؤوس الجبال ، ومن آخر يومه ذلك » ، وقوله : « وكيف أنعم ، وصاحب القرن قد التقمه ، وقد حبا جبينه وأصغى بسمعه ، وقدم قدما ، وأخر قدما ، وينتظر متى يؤمر أن ينفخ فينفخ » « 4 » ، وقوله : « إنما مثلي ومثل الساعة كقوم بعثوا ربيئة لهم يربأ العدو » ، فأبصروا العدو فخاف أن يسبقوه إلى أصحابه ، والذي ينوبه ونادى : يا صباحاه « 5 » فكيف ، وقد أتى دون هذا القول ما أتى من القرون والسنين ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكون بحضرته قوم منتخبون من أهل الأمصار ، أهل صدق وعلم بالسنة ، أولو حنكة وعقول وورع لما يرد عليه من أمور الناس ، وأحكامهم ، وما يرفع إليه من مظالمهم فليفعل فإن أمير المؤمنين ؛ وإن كان اللّه قد أنعم عليه وأفضل بما أفاد من العلم بكتابه وسنته ، ورد عليه أمور هذه الأمة أهل شرقها وغربها ، ودانيها وقاصيها ، فيشغله بعضها عن بعض ، ففي ذلك عون صدق على ما هو فيه إن شاء اللّه ، وقد قال اللّه عزّ وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، والوحي ينزل عليه ، وهو خير وأبقى وأبر وأعلم ممن سواه من الناس :

--> ( 1 ) حديث : بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ودابة الأرض ، والدجال ، وخويصة أحدكم وأمر العامة . رواه أحمد ومسلم من حديث أبي هريرة بألفاظ مختلفة . والمراد بخويصة أحدكم حادثة الموت التي تخص الإنسان وصغرت لاستصغارها في جنب سائر العظام من بعث وحساب وغيرها ، وقيل المراد بها ما يخص الإنسان من الشواغل المقلقة من ماله ونفسه وما يهتم به . ( 2 ) بعثت والساعة كهاتين . الحديث مروي في البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي وأحمد بألفاظ مختلفة . ( 3 ) إن ما بقي من الدنيا : روي في الأحياء مرويا عن ابن عمر بلفظ : خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والشمس على أطراف السعف فقال : ما بقي من الدنيا إلا كما بقي من يومنا هذا في مثل ما مضى منه . ( 4 ) حديث كيف أنعم : أخرجه الترمذي وحسنه ، عن أبي سعيد الخدري بلفظ مختلف عن هذا . ( 5 ) إنما مثلي : الحديث في النهاية بلفظ : مثلي ومثلكم كمن يربأ بالقوم .